فصل: الشبهة الرابعة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المدخل لدراسة القرآن الكريم



.الشبهة الرابعة:

قال: إن القسم المكي خال من التشريعات التفصيلية والقوانين، أما القسم المدني فينفرد بالتشريعات الإسلامية؛ كالمواريث والوصايا، والزواج، والطلاق، والبيوع، وسائر المعاملات، ولا شكّ أن هذا أثر من آثار التوراة والبيئة اليهودية التي ثقفت المهاجرين إلى يثرب ثقافة واضحة يشهد بها هذا التغيير الفجائي الذي ظهر على أسلوب القرآن، وغرضه بهذا التشكيك في أن القرآن من عند الله.
وللرد على هذا نقول:
1- إن هذا الفرق بين المكي والمدني قد عرضنا له لما تحدثنا عن خصائص المكي والمدني وقد تنبه العلماء إلى هذه الظاهرة منذ مئات السنين، ولكن ليس السبب ما ذكره من تأثر القرآن بالبيئة؛ وإنما السبب في هذا أن أهل مكة كانوا ينكرون أصول الإيمان والشرائع، فكان الملائم لهم دعوتهم إلى هذه الأصول، حتى إذا ما استضاءت قلوبهم بالإيمان وأشربوا حبه كلفوا بالتشريعات التفصيلية، وهذا ما كان.
وأن من خطل الرأي أن نأتي لهم بالفروع والأحكام العملية قبل أن يؤمنوا بالأصول، فكان نهج القرآن معهم، وهو الملائم للفطر وبدائه العقول.
2- كيف يصحّ في العقول أن يكون النبي والمسلمون قد أخذوا عن أهل الكتاب من اليهود وتثقّفوا بثقافتهم مع أن القرآن الكريم نعى عليهم في غير ما آية وسورة، كفرهم، وفسقهم، وجراءتهم على الله وسفاهتهم على رسله، وبين جحودهم للحق، وإنكارهم له مع معرفتهم وتحريفهم للتوراة، كما نعى عليهم حسدهم وظلمهم وبغيهم وسوء طويتهم، وخبث طباعهم، وخيانتهم وتضييعهم للأمانة، وعدم تناهيهم عن المنكر إلى غير ذلك مما لا يجهله من قرأ القرآن واطلع عليه، وقد لعن القرآن الكريم اليهود في غير موضع وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يتحداهم كما في قوله تعالى: {قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ} [البقرة: 94]، وقوله: {قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ} [آل عمران: 93].
فلو أن النبي أخذ عن أهل الكتاب، وتعلم منهم وتأثر بثقافتهم لأظهروا ذلك دفاعا عن أنفسهم، ولقالوا: كيف نعلمك وتسفهنا وترمينا بالكفر والفسق والكذب وكيف نثقّفك وتلعننا وتتطاول علينا ولكنهم لم يفعلوا بل ألقموا حجرا وباءوا بالخزي والذلة والتشريد، وهكذا يتبين لنا أن موقف القرآن من اليهود كان موقف المعلم والناقد والناعي، والموبخ والمتحدي، لا موقف المتعلم والآخذ والمستفيد، وهو شيء يقتلع هذا الطعن من أساسه ويرمي به في مهامه الضلال والشكوك.
3- أن الفرق بين التشريع الإسلامي الذي عرضت له السور المدنية والتشريع الإسرائيلي عظيم جدّا، فالإسلامي أرقى وأعلى وأشمل من الإسرائيلي من كل وجه، وناهيك بكونه تشريعا عاما لجميع البشر، وفي جميع الأزمنة والأمكنة، ومن أسسه المساواة في الحق والعدل بين جميع الشعوب والقبائل والأفراد، لا تمييز فيه بين ملك وسوقة، ولا بين شريف ووضيع، ولا بين قويّ وضعيف، ولا بين غنيّ وفقير ولا بين إسرائيليّ وغير إسرائيليّ.
والتشريع الإسرائيلي كان خاصّا بشعب خاص، وموقوتا بوقت خاص فلا يصلح أن يكون أساسا لتشريع عام خالد، وهو تشريع الإسلام الذي انتشل الإنسانية من وهدتها، وأضاء النفوس بعد ظلمتها، وحرر العقول بعد إسارها، وملأ الأرض هداية وعلما، وعدلا ورحمة، بعد أن ملئت كفرا وضلالا وجهلا وظلما وقسوة وتجبرا، وكيف يجوز في العقول أيضا أن يستمد السابقون الأولون من المهاجرين ثقافتهم وتشريعاتهم من اليهود وهم الذين أصلحوا جميع الشعوب بهداية القرآن والتأسي بأكمل الخلق على الإطلاق، وشهدت لهم أعمالهم وأخلاقهم بأنهم خير أمة أخرجت للناس، وقد أجمع المؤرخون من الإفرنج وغيرهم على أن أعظم أسباب نجاح الإسلام في انتشاره السريع، وفتوحاته المظفرة الكثيرة ما كان عليه أهل الملل كلها من فسوق وفساد، والدول كلها من ظلم واستبداد وإغراق في الملذات.

.الشبهة الخامسة:

قال: إن القسم المكي يكثر فيه القسم بالضحى، والشمس، والقمر، والنجوم، والفجر، والعصر، والليل، والنهار، والتين، والزيتون، إلى آخر ما هو جدير بالبيئات الساذجة التي تشبه بيئة مكة تأخرا وانحطاطا.
أما القسم الثاني فقد خلا من القسم بهذه المحسوسات، وغرضه تأثر القرآن بالبيئة ليصل إلى التشكيك في القرآن، وهذا الكلام مردود بما يأتي:
1- دعوى أن البيئة المكية ساذجة جاهلة لا ترقى إلى ما وراء الحس، دعوى لم يقم عليها دليل، ويكذبها الواقع، والتاريخ الصحيح؛ فقد كان أهل مكة أوفى ذوقا، وأرهف شعورا، وأذكى عقولا من أهل المدينة، وأن فيما قصه القرآن عنهم من مجالات وخصومات وما اشتمل عليه القسم المكي من إيجاز وبراهين ما ينقض هذا الاتهام، وكيف يفهم هذه البراهين من لا يسمو نظره عن المحسوسات، والتاريخ الصحيح أعدل حاكم وخير شاهد على امتياز قريش عن سائر القبائل في عهد نزول القرآن، ولكي تكون على بينة من ذلك سأذكر لك قصة؛ ذلك أنه لما نزل قوله تعالى: {إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ} قال ابن الزبعرى: والله لو وجدت محمدا لخصمته قد عبدت الشمس والقمر والملائكة وعزير وعيسى ابن مريم، كل هؤلاء في النار مع آلهتنا فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: إنهم إنما يعبدون الشيطان، ومن أمرهم بعبادته، فأنزل الله سبحانه: {إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنى أُولئِكَ عَنْها مُبْعَدُونَ}.
وأنزل الله أيضا: {وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ * وَقالُوا أَآلِهَتُنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ ما ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ}.
وتأمل في قوله سبحانه: {خَصِمُونَ} وهل يجيد الجدل الجاهل الساذج وهل من يلقي هذه الشبه ولو كانت بواطل يكون ساذجا لا يسمو تفكيره إلى المعقولات.
2- إن الله سبحانه أقسم في القسم المكي بالمعقول كما أقسم بالمحسوسات فمن ذلك قسمه بالقرآن في قوله يس: {وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ} وأقسم بالملائكة في قوله: {وَالنَّازِعاتِ غَرْقاً * وَالنَّاشِطاتِ نَشْطاً} الآيات، وأقسم بالنفس الناطقة فقال: {وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها * فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها} [الشمس: 7- 8]، وأقسم بحياة الرسول في قوله: {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ} [الحجر: 72] وأقسم بذاته تعالى فقال: {فَوَرَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ} [الحجر: 92] {فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ إِنَّا لَقادِرُونَ} [المعارج: 40] وأقسم بما لا يقع تحت الحس والمشاهدة فقال: {فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ * وَما لا تُبْصِرُونَ} [الحاقة: 38- 39].
وأقسم بالزمن فقال: {وَالْعَصْرِ} وهكذا يتبين لنا أن الله أقسم في القسم المكي بالمعقولات كما أقسم بالمحسوسات.
3- إن القسم بهذه الأشياء لا لكونها محسوسة، وإنما هو تنبيه إلى ما تشتمل عليه من إحكام في الخلق والصنعة وما تنطوي عليه من أسرار وعجائب نعم وآلاء، فيؤدي النظر فيها إلى الإيمان بخالقها وموجودها، والإذعان لما جاء به الرسول، كما في القسم بالشمس، والقمر، والنجوم والليل والنهار أو إلى استخدامه في النافع وعدم تضييعه كما في القسم بالعصر، وبعض ما أقسم الله به مما هو محسوس قد يقصد به التذكير بما وراء الحس كما في القسم بالتين والزيتون إلخ.
قال الإمام الشيخ محمد عبده في تفسيره: {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ} ما خلاصته: وقد يرجح أنهما- التين والزيتون- النوعان من الشجر ولكن لا لفوائدهما كما ذكروا بل لما يذكران به من الحوادث العظيمة التي لها الآثار الباقية في أحوال البشر، قال صاحب هذا القول: إن الله أراد أن يذكرنا بأربعة فصول من كتاب الإنسانية الطويل من أول نشأته إلى يوم بعثة النبي صلى الله عليه وسلم فالتين إشارة إلى عهد الإنسان الأول، فإنه كان يستظل في تلك الجنة التي كان فيها بورق التين، والزيتون إشارة إلى عهد نوح فقد أرسل بعض الطيور لعله يأتي بخبر انكشاف الماء عن الأرض، فغاب ولم يأت بخبر، ثم أرسل آخر فجاء إليه يحمل ورقة من الزيتون، فاستبشر وسر وعرف أن غضب الله قد سكن وقد أذن للأرض أن تعمر، وطور سينين إشارة إلى عهد الشريعة الموسوية وظهور نور التوحيد في العالم بعد ما تدنست جوانب الأرض بالوثنية، ثم لما طال الأمد على البشرية حتى كادت أن تطمس معالم التوحيد والحق والشرائع من الله على البشر ببداية تاريخ ينسخ جميع تلك التواريخ ويفصل بين ما سبق من أطوار الإنسانية وبين ما يلحق وهو عهد ظهور النور المحمدي من مكة المكرمة، وإليه الإشارة بذكر البلد الأمين، وقد يكون القسم بالشيء لمنزلته وإظهار كرامته عند الله كما في القسم بحياة الرسول والملائكة، وفي القرآن توافق عجيب بين المقسم به والمقسم عليه قد يخفى على غير ذي العقل الذكي والنظر الشفاف والحس الدقيق الذي يحكم على الأشياء بادئ الرأي من غير روية وتفكير.
وقد ألف العلماء في أقسام القرآن كتبا مستقلة، ولعل أحفلها وأجلها فيما أعلم التبيان في أقسام القرآن لابن القيم، فمن أراد زيادة في معرفة أسرار الأقسام فليرجع إليه ففيه ما يكفي ويشفي.